همسة في أذن المُعلمين
همسة في أذن المُعلمين:
د. فيصل بن سعود الحليبي
من الذي تنشأ على كلماته الأجيال؟ ومن الذي تصلح بتوجيهه المجتمعات؟ ومن الذي تنقاد له أنفس الطلبة كل صباح لينهلون من علمه، ويتمثلون بتوجيهه، إنه عصب النجاح الحقيقي، وسر العطاء للأمم، فهنيئًا للمعلم كل هذا وأكثر من هذا.
وهل أكثر من أن يرفع الله له الدرجات الكريمة، فإنه القائل سبحانه {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. وهل أكرم من أن يخصه الله بفضل الخشية منه فيقول {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}. وهل أدرك المعلم بما بشّره المعلم الأول من بشارات تهتز لها النفس المؤمنة طربًا، وتشتاق لها الروح الطيبة أيما اشتياق، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ) قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
فكم من نفس تستهتدي بهدى الله على يد هذا العامل، وكم شرع سوف ينشر على يديه، وكم سُنَّة سوف تحيا من تذكيره وتعليمه، وكم من جندي سوف يتخرج على صناعته وتدريبه؟ فهل أدرك المُعلم الحبيب كم ينتظر المجتمعُ نتاجه. وهل شعر بثقل المسؤولية الملقاة على كاهله، وهل وقف مع نفسه وقفة المحاسبة في بداية كل عام، بل وبين الفترة والأخرى.. ماذا قدّم لطلابه، وكيف أعطاهم، وماذا منحهم من تجربته وكريم سجاياه؟
فيا أيها المعلمون الأكارم.. أنادي نفسي وأناديكم لأننا في حقل واحد: هاهو المجتمع يُلقي بفلذات كبده بين أيديكم الكريمة، ويؤمل فيكم الأمل الكبير، فماذا أنتم صانعون؟
إنه مع جهودكم المباركة التي تبذلونها، لن تستطيعوا أن تصلوا إلى النجاح في أداء مهمتكم إلا بعد أن تُحبوها وتَقدموا عليها بكل شوق وشغف ونشاط. أما التذمر والتأفف فسوف يحبس من طول أنفاسكم ما لا تستطيعون معه أن تقوموا بمهمتكم خير قيام.
والدروس تحتاج منكم إلى مراجعة دقيقة لمعلوماتها، وتهيئة لتقديمها، وتفكير مبدعٍ في عرض قوالبها، لتأتي سهلة ميسرة، تتقبلها أنفس الطلبة بصدر رحب، حتى تبدو العلوم الصعبة أسهل ما تكون على عقولهم، فحاول أن تراوح في طريقة عرضك للدرس حتى لا يصاب تلاميذُك بالسآمة من حديثك، وتنغلق أمامهم الأفكار.
ثم إن الطالب قد جعلك في نفسه محل الاقتداء، فحذار أن تكون صاحب شخصية مزدوجة، حديثك في جهة، وتطبيقك له في جهة أخرى! فإننا لا نريد أجيالاً تتعلم ولا تطبق، وتقول ولا تفعل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} فماذا تعتقد أن يقول تلميذك في نفسه عنك حينما يسمعك تسب أو تشتم؟ وما عساه أن يقول عنك بين والديه وأصحابه حينما يرى منك… راجع نفسك مع ربك، وكن مَحل القدوة التي نريد وتريد ويريد ربك
يا أيها الرجل المعلم غيره هلّا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيم
فابدأ بنفسك وانهها عن غيها فإذا انتهيتَ عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويهتدي بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خُلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
يقول بعض العلماء (لا تعلّموا أولادكم إلا عند رجل حسن الدّين، لأن دين الصبي على دين مُعلمه، كما يقول الصحابي عتبة بن أبي سفيان (ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت)ا.هـ.
أنت معلم حقًا، ولذا فإننا نطمح أن تكون ذا قلب أبوي حنون، يتنازعك حزم المعلم ورحمة الأب، فإنّ التلميذ الذي بين يديك له أب وأم ليس هناك أرحم منهما إلا الله سبحانه وتعالى. وقد تركاه بين يديك، فلا تستغل قوتك وسلطتك في البطش به إذا هو أخطأ، أو إهانته في كل الأحوال ولو قصّر… فما أتى إليك إلا لقُصور في علمه يريد منك زيادته، وضَعف في إدراكه للحياة يبتغي تجربتك فيها. فهل يستحق منك أن تُقلل من شأن إنسانيته بالاستهزاء والسُخرية عليه! إن هذا التلميذ إذا أمدّ الله في عمرك وعمره يومًا ما ستسمع عنه بأنه زميلٌ لك في المدرسة، أو ربما مديرًا لها أو… وتذكّر معي أن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه، ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.
فعَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ [وهم في الصلاة] فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ. فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) رواه مسلم. وصدق الحبيب، في وصفه نفسه بقوله (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا) رواه مسلم.
ولا أختلف معك أنه إذا استحق منك التأديب أن تأدبه وتحزم عليه إذا كان ممن يحتاج إلى ذلك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) رواه أبو داود.
أيها المعلم: لاتكن ممن يصطحبهم الشُعور بالتعالي على الطلبة في كل ساعات تدريسهم، فهو ينظر إليهم من برج عاجي، مُقطب الجبين، يستخدم ألفاظ الجمع عن نفسه، ويترفع عن مُصافحة تلاميذه أو الابتسامة في وجوههم، وقاعدته هي: العين الحمراء… والحمراء فقط، وهكذا حتى تتسع الفجوة بينهم وبينه، لتصبح دقائق مادته على أنفسهم كأثقل ما تكون، ونفسه عليهم أبشع ما تكون، فابتعدت عن هذا الصنف. وكن متواضعًا في حزم، وجادًا في لين وبشاشة، فهذا هو المنهج الرباني الذي أنزل على أعظم معلم {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
يا أيها المعلمون، بل يا سُلم الأجيال، وحُداة الطريق، النظافة في الجسم والبدن، وجمال اللباس، وحيوية النفس، والغضُ عن الزلل اليسير، وإشراقة الروح، أسباب لانتعاش روح التعليم في كل من يشارككم هذه المهمة. فاحرصوا على تكميل هذه الجوانب والاعتناء بها. ومن أشد ما ينبغي التنبيه إليه هو أن نحذر من الظلم بكل أنواعه ولو مع من نختلف معهم في الفكر والمعتقد سواء في التعامل، أو في الدرجات، أو في الخلق، فإن الله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا) رواه مسلم.
بل إن العدل يعطي انطباعًا جميلاً عن نهج الدين وخلق المرسلين العادلين.
وأوصي نفسي وأوصيكم بجميل التعامل مع أولياء أمور الطلاب، وتحمل اختلاف أطباعهم ومشاربهم، وعليكم بالأنس بزملائكم في هذه المُهمة العظيمة من إداريين ومعلمين، ولتكونوا معهم في تناصح مستمر لأداء هذه الأمانة كما ينبغي. واحذروا لغو الكلام في وقت الفراغ، وابتروا جلستكم مع من ترونه يشغل لسانه بالغيبة أو السخرية بعد إسداء النصح إليه. ولا يعني هذا أن تكونوا ثقلاء على زملائكم، بل إن الإنسان بحاجة إلى الراحة التي تتخللها الابتسامة والمرح لتعطيه دفعة إلى العودة بكل نشاط وحيوية. وما أجمل بعد هذا أن تذوقوا حلاوة الإخلاص والإتقان في التعليم، فإن ما تقومون به عبادة، والله يقول {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}.
وفقنا الله جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأعاننا على أداء مهمتنا على الوجه الذي يرضيه عنا، إنه جواد كريم. .