مدينة راسو التي رأيتُها / زرتُها

بسم الله الرحمن الرحيم

مدينة راسو التي رأيتُها / زرتُها

بحمد الله وتوفيقه قدر الله لي أن أشارك في هذا العام الاحتفالات السنوية بمُناسبة المولد النبوي الشريف في مدينة راسو في الفترة من يوم 8 أكتوبر 2021 الى يوم 23 منه.

وراسـو من المُدن الجديدة في اقليم الصومال الغربي، ولكنها أصبحتْ مدينة للعلم والدعوة حيث سجلتْ سبقا كبيرا في انشاء الجوامع الكبيرة والمدارس القرآنية والمعاهد العلمية الدينية النظامية.

كما استقطبتْ العديد من العلماء والدعاة الذين أحبوا أن يعيشوا في بيئة دينية وعلمية يسود فيها الخير ونشرالعلم الشرعي والقيام بواجب الدعوة الاسلامية. أيضا قام العلماءُ في المدينة بارسال القوافل الدعوية والبعثات العلمية إلى كثير من المُدن والقُرى في شتى أنحاء منطقة القرق الافريقي تطبيقا لمبدإ (إن الراكد الجالس لا يُطهر نفسه ولا يُطهر غـيره)

وقد اختلف الناسُ ما معنى هذا الاسم: راسو ومن أين جاء ومن اقترحه وأنشأه: وهل هو من الرأس الذي يعني العُلو والظُهور والجمال، أم هو من الرُسُو الذي يعني الرُسوخ والعُـمق والثبات...

وقديما قال الشاعر العربي: وقلما رأتْ عيناك ذا لقب إلا  ومعناه إن فكرت في لقبه.

وكانتْ المناسبة عظيمة جدا حيث حضر إليها أعدادٌ كبيرة من العلماء والدعاة والزُوار من كل منطقة شرق افريقيا الذين تعوّدوا على حُضور هذه المناسبة العظيمة لأهداف عديدة: منها لِقاء الأحبة الذين يلتقون بهم سنوياً في هذا الموسم الديني العظيم.

ومنها حضور الدّورة العلمية السّنوية التي تُقام بعد الاحتفالات (تَدريس أمهات الكتب في فنّ من فنون العلوم الشرعية في دورة علمية مُكثفة لـ مدة شهرين كاملين). لأن العلم لا يصلح ولا يستقرُ إلا بثلاث: تعهُد ما تحفظ وتعلّم ما تجهل ونشر ما تعلم. ومنها كسْب الخبرات والاستفادة من التجارب العملية والدّعوية التي أسّسها وطبّقها علماءُ راسو في مجالات تطبيق أحكام الاسلام.

وأيضا في مجال انشاء المعاهد الدينية الرائدة مثل مركز دار القرآن الذي تاسّستْ فُروعُه في أغلب المُدن الكبيرة في الصومال الغربي، ومعهد دار الحديث للعلوم الشرعية، ومعهد ابن الجَزري لعلوم القِراءت…وغيرها من الاهداف. وكما قال الجُنيد: (عِلمُنا مضبوط بالكتاب والسُنة، ومن لم يحفظ الكتابَ ويكتب الحديثَ ولم يتفقه فلا ينبغي أن يُقتدى به.) وكانت الاحتفالات كثيرة ومتنوعة حيث كان الاحتفال الأولُ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وكانت عبارة لعرض سيرته العطرة من جوانب كثيرة ومن زوايا عديدة ومن عشرات من العلماء المشهورين بحُبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبلُغات مختلفة مثل الصومالية والعربية والارومية والامهرية… والتأكيد على وُجوب اتباعه وحُبه حبا حقيقيا وطاعته في كل ما أمر، والانتهاء عن كل ما نهى عنه مصداقا لقول الحق (وما آتاكم الرّسُول فخُـذوه وما نهاكم عنه فانتهوا…)

وفي اليوم الثاني كان الاحتفال بمناسبة تخْريج 140 تلميذا (بنين وبنات) من حفظة كتاب الله من مركز دار القرآن الكريم. وكانت فرحة عظيمة لهؤلاء التلاميذ ولوالديهم: أن يشهد حفْلَ تخرُجهم كلُ هذه الاعداد من العلماء والمشاهير وأن يدعو لهم بالتوفيق والقبول ونيل شفاعة القرآن الكريم. وكان حفلاً مهيبا ارتفعتْ فيه المشاعر عندما رتّل بعضُ الأطفال القرآن الكريم بأصوات ملائكية غاية في الجمال والدقة. (فالقرآن غِنى لا فقر بعده ولا غِنى دونه، ما علمتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه). وكانتْ غبطة عظيمة لدى كثير من الحضور والضُيوف الذين صرّح بعضُهم بِنيتهم القوية ارسال أولادهم الى مدينة راسو أو الانتقال إليها كُلية لينال أولادُهم مثل هذا الحظّ  في تعلُم وحفْظ كتاب الله الكريم.

وفي اليوم الثالث كان الاحتفال البهيج بتخرُج 90طالبا وطالبة من معهد دار الحديث للعلوم الشرعية، وكانتْ فرحة عظيمة لهم ولوالديهم أن نالوا هذه الشّهادة بعد أن تخرّجوا من مركز دار القرآن الكريم سابقاً، ثم درسوا سنوات عديدة في معهد دار الحديث للعلوم الشرعية لينالوا هذه الاجازة العليا التي تؤهلهم لأن يُدرّسوا هُم العلوم الشرعية في مُختلف المؤسسات الدينية في المنطقة كلها.

وفي اليوم الرابع كان الاحتفال الختامي بتخريج 9 من الطلبة الذين تخرّجوا من معهد ابن الجَزري لعلوم القِراءت، وقد نالوا إجازة القرآن الكريم بروايات مختلفة. وهذا سبْق كبير وفرصة عظيمة لا تتوفّر في غير راسو من المدن في المنطقة كلها. وأخيرا كان عرض برنامج الدورة: أوقاتها وأماكنها – المساجد التي يتمُ فيها التدريس وتوزيع أجزاء التفسير ومَن هُم العلماء المدرسون وغيرها.

ومن الجدير بالذكر أن علماء مدينة راسو بذلوا جهودا جبارة في تطبيق احكام الاسلام وقاموا بمشاريع كبيرة مثل تطبيق أحكام الميراث على كل سُكان المنطقة وبطريقة علنية، ولأول مرة يأخذ النساءُ (زوجات وبنات وأخوات…) حقهن من الميراث. كما طبقوا أخْذ فريضة الزكاة وتطبيق أحكامها على كل من يملك النصاب من الانعام والأموال والتجارة وغيرها ويتم ذلك باعلان موعد جمع الزكاة وارسال العاملين عليها إلى كل القرى والاحياء التابعة للمدينة ثم جمعها وتوزيعها على فُقراء الحيّ الذي أخِذ منه الزكاة.

ومن أهم هذه الأعمال: واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس وُجوب تطبيق أحكام الشريعة الاسلامية، وذلك بارسال العلماء والدعاة الى كل الأحياء والقُـرى لتدريس العلوم الشرعية وتعليم القرآن الكريم لِكل الناس في القرى أطفالاً ونساء ورجالاً، ثم ارسال البعثات والوفود الدعوية إلى كل هذه الأحياء والقُـرى المختلفة لمتابعة ومراقبة مدى تطبيق المنهاج والبرنامج الذي وُضع للتعليم ونشر الدعوة، لأنّ العلم وسيلة إلى كل فضيلة.

ولا شك أن هذه جهود كبيرة تفوق طاقة علماء نظّموا أنفسهم بأنفسهم وقاموا بواجب الدّعوة من تلقاء أنفسهم. ولكن الله وعد المؤمنين أنّ: من اتقى الله وقاه ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جازاه. ومن حاول الأمور العظيمة احتاج فيها إلى ست لينجح: إلى العلم والأعوان والأدب، والتوفيق والفرصة والاجتهاد.  

ومنها تطبيق وتقنين أحكام الزواج ومنع ما كان يُسمى بـ (لبِحِتان) تغييب البنت من أهلها ثم ادعاء تزويجها بحُكم أنها بعيدة عن وليها، ومنع دفع (اليرد) ووجوب تيسر الزواج وعدم طلب المهور الغالية… وغيرها من التعقيدات التي كانت تُسبب تأخير الزواج وربما انتشار الرذائل والفساد الاخلاقي والفتن الاجتماعية في المجتمع…   

ومنها وربما من أهمها مُحاربة آفة القات ومحاولة منع بيعها وتناولها وادخالها الى المدينة وهي معركة شرسة جدا لأنها من أكبر الآفات التي ابْـتُلي بها الشعبُ الصومالي في منطقة القرن الافريقي كلها. وهي معركة تحتاج الى جُهود حكومية وميزانيات كبيرة لفتح أبواب وأسواق كبيرة بديلة لاسواق القات وتوفير وظائف وأعمال بديلة لمن يشتغلون ويرتزقون من أسواق القات الكثيرة.

وقد قام العلماء بحملات قوية ضد هذه الآفة الخطيرة ونجحوا إلى حد كبير، ولكن الآفة كبيرة ومتأصلة ومدعومة من جهات قوية وشريرة في الوقت نفسه. ولاشكّ أن كلَ شيء نفيس وغال يطُول طريقُه ويكثرُ التعبُ في تحصيله وخاصة إذا كان فيه مصلحة عامة ومنفعة كبيرة للمجتمع.

وحسبُهم أنّهم قاموا بالواجب وحاولوا قدر استطاعتهم منْع هذه الآفة الخطيرة والنجاح لايعني بالضّرورة القضاء التام على الشر كُله بضربة قاضية بل يعني الجرأة على مُقاومة الباطل بقوة وعدم الاستسلام له. وشِعار المسلم العامل هو: إلهِي أنت مقْصودي ورضاك مطْـلوبي. ويكفيهم شرفا أن ارتفعتْ همتُهم إلى هذا المستوى فإن الهمة مُقدمة الأشياء العظيمة، ومن صلحتْ له همتُه وصدق فيها صلُح له ما وراء ذلك من الأعمال الكبيرة.

 

نماذج قليلة من بعض الصُور التي التفطتْ من قاعة الاحتفالات

بقلم:  أحمد القاسمي

One thought on “مدينة راسو التي رأيتُها / زرتُها

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاك الله خيرا وبارك الله فيكم جميعا
    اما بالنسبة للاعمال الخيرية فانها رزق من عند الله ادعوا الله لكم ان يديم عليكم بالأعمال الصالحة والنافعة للبشرية حياكم الله وفي أمان الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.